عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
32
معارج التفكر ودقائق التدبر
[ تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى ( 4 ) ] : [ تَنْزِيلًا ] : مصدر « نزّل » وهو بمعنى « الإنزال » مصدر « أنزل » لأنّ الفعل المضعف أخو الفعل المهموز . وقد يختار لفظ « التّنزيل » للدّلالة على الأناة والتّمهّل . وهو مفعول مطلق من الفعل في [ أَنْزَلْنا ] في الآية ( 2 ) بشيء من التأويل ، أو هو مفعول مطلق من فعل محذوف تقديره : نزّل تنزيلا بأناة وتمهّل ممّن خلق الأرض والسّماوّت العلى . وقد سبق أنّ ظهر لنا بالتدبّر ، أنّ كلّ عطاءات اللّه وما يأتي منه لمخلوقاته ، هو إنزال وتنزيل ، لأنّه جلّ جلاله العليّ الأعلى ، ولو كان ما يخلقه اللّه عزّ وجلّ صنعا من صنعه في الأرض ، لم ينزله من السّماء ، كقوله تعالى في سورة ( الزّمر / 39 مصحف / 59 نزول ) : . . . وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ . . . ( 6 ) . في معظم النّصوص القرآنيّة الّتي اجتمع فيها ذكر السّماوات والأرض ، نجد أن لفظ « السّماوات » أو « السّماء » قد جاء مقدّما على الأرض ، وهذا هو ما تقتضيه حكمة البدء بذكر الأكبر ، وبعده يأتي ذكر ما هو أصغر . لكن جاء في هذه الآية البدء بذكر الأرض ، لمراعاة فنّيّة التناظر بين رؤوس الآيات ، الّذي من أجله وصفت السّماوات بكلمة [ الْعُلى ] . [ الْأَرْضَ ] هي هذا الكوكب الذي نعيش عليه ، بكلّ ما فيه من منافع وعجائب خلق ربّانيّ . [ وَالسَّماواتِ ] : هي السّماوات السّبع ، ويلحق بها الكرسيّ والعرش ، لأنّها تقع في جهة العلوّ بالنّسبة إلى الأرض وسكّانها ، فالسّماء في اللّغة كلّ ما علا وارتفع عن رأس مشاهده ، وهو غير منكّس القامة .